عربي Français
الصور اليومية للمهرجان
كتيب المهرجان بالكامل
صور بانوراما
أصيلة السابع والعشرون
أصيلة السادس والعشرون
مهرجان السينما
ملتقى البحرين أصيلة
الاعلام العربي بين غياب القوانين و شبهة التحالف مع المخابرات
نشرت في:  2006-08-25

ندوة: الاعلام في العالم العربي و التواصل مع اﻵخر
( من 17 الى 19 غشت/ ﺁب 2006)

مداخلة الدكتور محي الدين اللاذقاني

بعنوان: الاعلام العربي بين غياب القوانين
و شبهة التحالف مع المخابرات
أصيلة 17-19 غشت/ ﺁب 2006


من (صاحب العذاب) الى (صاحب الخبر)

الاعلام العربي بين غياب القوانين و شبهة التحالف مع المخابرات العربية
د.محي الدين اللاذقاني

حمل رئيس المخابرات في التراث العربي اسم (صاحب البريد) تلطيفا للدور الذي كان يقوم به و تمييزا له عن (صاحب الشرطة) و (صاحب العذاب) و مع أن مصلحة البريد كما يوحي اسمها في العصر الحديث دائرة خدمات عامة تنقل رسائل الدولة و غيرها و تحافظ على مصلحة الجميع لابد أن نلاحظ أنها كانت قديما كما هي حالبعض أجهزة المخاربات العربية حديثا تعمل فقط لخدمة الخليفة و رأس النظام أما مصلحة المجتمع فهي عندها في ﺁخر قائمة الاهتمامات.

كما حمل كبير المخبرين أحيانا اسم (صاحب الخبر) و هذا ما يجعل عمله يتقاطع في المفهوم المعاصر و المصطلحات الحديثة مع رجال الاعلام فالصحافيون يسعون وراء الخبر و كذلك رجال المخابرات و لكن كل منهما يوظف الأخبار و المعلومات التي بحوزته لأهداف مختلفة الا في العالم العربي حيث تتطابق في بعض الدول أهداف وزارات الاعلام مع وزارات الداخلية و الأمن معظم الأحيان و تكون الأخيرة هي الرابحة من ذلك التطابق مما يقلل من مصداقية أجهزة الاعلام التي يفترض بها نظريا الحياد و القيام نيابة عن المجتمع بمراقبة عمل جميع الأجهزة و كشفها لا مساعدتها في تحقيق أهدافها غير المشروعة و التستر على أخطائها الفادحة.

في المجتمعات المعاصرة المتطورة مدنيا و المستقرة سياسيا و التي نجحت الى حد ما في كبح استبداد سياسييها و الحد من تسلطهم المطلق وفسادهم لا يتسامح الناس مع فكرة دمج دور المخبر بمهمة الاعلامي فلكل دوره و مهامه و استقلاليته أما في ظل الأنظمة الشمولية فيقوم بين القطاعين حلف غير مقدس مهمته اهدار مصلحة الأمة و المجتمع للحفاظ على مصلحة الخليفة المعاصر و الطبقة المحيطة به على حساب تحطيم مؤسسات المجتمع المدني و منع تطورها الى الدرجة التي تهدد بموجبها الحكم الفردي المطلق.

في بعض الدول هذا الحلف قائم و مثبت علنا و في دول أخرى ما يزال في دائرة الشبهات و التخمين و ماتزال أعماه مستترة و أيا تكن درجة ظهوره أو استتاره فمن المتفق عليه أن ذلك الحلف يقف حجرة عثرة أمام تطور المجتمعات العربية و دخولها مثل غيرها من بقية شعوب الأرض في عمليت حراك سياسي و تطور مدني يخرجها من مستنقعات الفساد و الاستبداد.





هذا الحلف غير المقدس الذي حول الدور الاعلامي من التنوير و التثوير الى مجرد اللهو و التبرير نشأت بوادره في الخمسينات و توضحت أبعاده في السبعينات من القرن الماضي جعل الحليفين المعنيين يخونان مهامهما الأساسية كما هي معروفة في أبجديات المجتع المدني المعاصر فالاعلام يضلل ويكذب ويشوه الحقائق بدل أن يقوم بالتوعية و الاعلاء من شأن المعرفة و تكريس قيم الحق و الحرية و العدالة أما أجهزة المخابرات و الأمن فتهدد السلم الاجتماعي بدل أن تدعمه و تخلق الذعر و و الارتياب بين الناس بدلا من حماية حرياتهم و الدفاع عن أمنهم و حقوقهم الأساسية المنصوص عليها في القوانين الدولية و الشرائع السماوية.


و يستغل ذلك الحلف للحفظ على تماسكه و الاستمرار في أداء مهامه قدر الأجهزة في ظل الأنظمة الديكتاتورية على التحكم بالقضاء و تعطيل الدساتير و تفصيل القوانين و تعديلها لتخدم مصالح الحاكم و تعاقب معارضيه فربع الدستور السوري مثلا- من المادة 85 الى 114- مخصص لصلاحيات رئيس الجمهورية في سن القوانين و تعديلها لتحل مكان الدستور الأصلي الذي تم وضعه عام 1950 بمعونة كبار القانونيين و المشرعين الفرنسيين بعد الاستقلال ولابد أن المتابعين يعرفون أن ذلك الدستور المعدل عام 1973 تغير مرتين الأولى عام 1971 ليجعل الرئاسة على مقاس الأسد الابن و خلال ذلك التلاعب العلني كانت أجهزة الاعلام السوري تؤيد و تصفق مع المصفقين لتلك الانتهاكات الشنيعة لقوانين البلاد و دساتيرها و كانت أجهزة الاعلام العربي تمنع نشر أي نقد لتلك التصرفالت السورية بحجة عدم الاساءة لدولة صديقة فأغلب العواصم العربية لم تكن أفضل حالا من دمشق من حيث القدرة على خياطة القوانين و تفصيلها على مقاس حاكميها.

لقد كان الاعلام العربي و مايزال من حيث المصداقية و الحرية في وضع لا يحسد عليه فكثيرون يعرفون أن رويتر اضطرت في الثمانينات لتكذيب نفسها أكثر من مرة حين أعلنت عن وفاة وزير الاعلام السوري أحمد اسكندرأحمد مع أن مندوبيها في دمشق حضر مراسيم دفنه و كثيرون يذكرون أن الصحف السعودية ظلت حتى بعد ثلاثة أيام من احتلال الكويت في أغسطس- ﺁب عام 1990 تكذب الخبر و تتحدث عن ماوشات حدودية و كلها وقائع تؤكد عدم استقلالية أجهزة الاعلام العربي حتى المهاجر منه عن السياسات الرسمية للبلدان العربية كماتشير الى تخبط في صفوف الحلف غير المقدس الذي تنفعه سيطرته المطلقة في التمويه و التخطية.

و لاشك أن التعميمات المطلقة معادية للمعرفة فهناك استثناءات قليلة تخرج عن اطار هذا الحلف غير المقدس بين الاعلام العربي و أجهزة الاستخبارات العربية لكنها لقلتها ترقى الى مستوى الظاهرة التي تلغي القاعدة بل تظل في حدود الاستثناء الذي يثبت القاعدة و لا ينفيها ففي العالم العالم العربي الحريات الاعلامية في حدودها الدنيا التي لا تحسدها عليها بعض دول افريقيا التي يتهمها اعلامنا بالتخلف أما الانتهاكات الأمنية للأجساد و العقول ففي درجاتها القصوى على نحو يذكر بمخابرات جمهوريات الموز و بعض دول الكاريبي قبل نصف قرن من الزمان مع فارق لافت هو أن شعوب تلك الدول انتصرت على أحلافها غير المقدسة و نالت بعض حرياتها و حقوقها بينما ما تزال الشعوب العربية رهينة ( صاحب العذاب) الذي يساعده في عمله بكل أسف ( صاحب الخبر) و همفي العصر الحديث اعلامييون مرموقون و مؤسسات اعلامية كبرى تتحكم في سوق الصحف و الفضائيات و الذاعات قراءة و سماعا و مشاهدة.






بعض هؤلاء الاعلاميين يأتون مباشرة من دوائر المخابرات و الداخلية بعد أن يتم تدريبهم جيدا و يظلون على ارتباط بها خلال مراحل عملهم الاعلامي و البعض اﻵخر يخدم الهدف الاستخباراتي ذاته بدراية أو دون أن يدري و الفئة الثالية أكثر فائدة و جدوى و أقل تكلفة و غالبا ما تكون أكثر حماسا لأن تصرفاتها تخلو من الحذر الذي يميز المخبر المدسوس على الوسط الاعلامي.

ان مسألة تدخل الاستخبارات بكثافة في الحقل الاعلامي عربيا و عالميا لا تحتاج الى جهد كبير لاثباتها و قد كفانا فرانسيس سوندرز مؤلف كتاب ( الحرب الباردة الثقافية) مؤلة البحث عن أدلة ففي ذلك الكتاب الضخم توثيق لمئات الحالات التي تثبت أن المخابرات المركزية الأمريكية كثفت جهدها منذ عام 1947 الى اليوم على اختراق الوسط الثقافي و الاعلامي و مولت اصدار أكثر من عشرين صحيفة صحيفة و مجلة من مختلف أنحاء العالم منها (كومنتري) و (أنكاونتر) و (بارتيناز ريفيو) و (ليوليدر) و من هذه السلسلة الممولة مخابراتيا مجلة حوار البيروتية أيضا و غني عن الذكر أنه قبل كشف ارتباط المنظمة الدولية لحرية الثقافة بالمخابرات المركزية الأمريكية لم يكن أحد يشك بأن بعض تلك المؤسسات الاعلامية الناجحة مجرد صنيعة مخابراتية لتحقيق أهداف لايعرفها معظم الذين كانوا يكتبون في تلك الصحف.

على الجانب العربي المسألة لم تكن بهذه الدقة و لا بهذا التخطيط المتقن فحين تنبه الحاكم العربي الى أن الاعلام صار وسيلة أساسية من وسائل السيطرة و ضم وزارة الاعلام الى الوزارات السيادية لم يجد أمامه غير ضباط الجيش و المخابرات لتعيينهم في المناصب القيادية للمؤسسات الاعلامية ( الحالة الأشهر السادات في رئاسات تحرير الجمهورية) و هؤلاء لا يفهمون بغير أسلوب الأوامر و اللواهي و السيطرة المباشرة لذا فقد تمت في الخمسينات و الستينات في سورية و مصر مذابح اعلامية عديدة أبعدت من لا يريد التعاون مع الدفاع و الداخلية و من أصر من ذلك الجيل على المقاومة و رفض التعاون مع مخابرات بلاده وجد نفسه منفيا أو متهما بالتعاون مع مخابرات خارجية الأمر الذي دمر حياة كثيرين أشهرهم مصطفى أمين.

ان سجلات صلاح نصر في مصر و عبد الحميد السراج في سورية تكشف عن مدى التدخل العميق لأجهزة الأمن في البلدين في أعمال المؤسسات الصحفية ترغيبا و ترهيبا و قد امتدت أذرع الاثنين لتطال المؤسسات الاعلامية اللبنانية ففي تلك الحقب كانت السيطرة على الحراك السياسي العربي تبدأ من صحف بيروت و قد لعب بعض أقطاب تلك الصحف دورا مدمرا للحراك السياسي فتلاعبوا بأدواته و شوهوا مقاصده تنفيدا للتعليمات التي كانت تصدر لأصحاب تلك الصحف من قبل الأجهزة الاستخباراتية التي مدت سيطرتها أيضا الى مجالي السينما و التلفزيون و لعل بعض القصص المرتبطة بانتقال فتن حمامة و سعاد حسني الى الخارج هربا من السيطرة المباشرة فيها بعض المصداقية و سيتم الكشف ذات يوم عن أسماء الذين تسببوا فيها و بعضهم اليوم في مراكز اعلامية قيادية في بلدانهم.

في السبعينات و حين اقتضت الحاجة ظهور مؤسسات جديدة لم تتول الاستخبارات العربية المر مباشرة انما فعلته من خلال أشخاص ثقات يمكن الركون الى تفهمهم لأبعاد المهمة و يستبعد انشقاقهم و خروجهم عن السيطرة ف ( الشرق الوسط) مثلا و هي من أكبر المؤسسات الاعلامية في العالم العربي اليوم تم تأسيسها عام 1978 بايحاء و موافقة و تمويل كما أدهم رئيس جهاز الاستخبارات السعودية الذي كلف مدير مكتبة-ﺁنذاك- هشام علي حافظ بالتوجه الى أوروبا لاصدار جريدة عربية وقد وقع الاختيار في البداية على جنيف و ليس لندن تم تغيرت الخطة (2).


ان الاعلام العربي في المهجر الذي يوصف بأنه الأكثر تطورا من الاعلام المحلي و الأكثر حرية و استقلالا كان على الدوام امتدادا للصراع العربي و للنزاعات العربية فقد كانت باريس و لندن- و الى حد ما روما- ساحة حرب اعلامية بين الأنظمة العربية و كان العراق و ليبيا في عهدي القدافي و صدام حسين الدور الأكبر في تمويل معظم المجلات و الجرائد المهاجرة ك (العرب) و (التضامن) و (كل العرب) و اللافت أن علاقة مدراء و ملاك تلك الصحف كانت مع طارق عزيز و برزان التكريتي و ليس مع وزراء الاعلام الذين يصعب تذكرهم قبل الصحافة لهامشية دورهم اما عن العلاقة مع ليبيا فكانت عبر أحمد قذاف الدم الذي لم يعرف رسميا توليه لأية مهام اعلامية.

التأثير السعودي و الخليجي لتلك الحقب القريبة اقتصر على لندن نتيجة للصلات التاريخية الاستعمارية التي تربط بريطانيا بمحمياتها القديمة التي ظلت تحتفظ الى اليوم بنفود كبير فيها و لايخلو الأمر من محاولات هامشية لأطراف من خارج هذين التكتلين الرسميين (الخليجي و العراقي الليبي) فمجلة (الدستور) مثلا مولتها المعارضة السودانية للرئيس النميري قبل ان يتسلم العراق أمر الاشراف على استمرارها الى عشية غزو الكويت حين توقفت مع عدة صحف و مجلات أخرى بالسكتة المالية.

و لعل تمويل الفضائيات المهاجرة الذي أعقب تمويل الصحف المهاجرة لا يختلف كثيرا عن الأسلوب العربي المعتاد بمعنى ارتباط كل شيء بالأجهزة الرسمية التي تتخد من بعض الأشخاص و من وزارات الاعلام و دوائره مجرد واجهة و نتيجة لذلك الارتباط نشهد في تاريخ تلك الصحف و المجلات و الفضائيات نقصا في الشفافية و عدم التصريح بمصادر التمويل لأغراض سياسية تتعلق برغبة الممول حينا و أحيانا لمجرد التهرب الضرائبي.

لقد اعتمدت الأنظمة الاستبدادية في العالم العربي و الاسلامي في أحكام سيطرتها على الشعوب على المخابرات و الجيش و أجهزة الاعلام و مع قدومقنوات فضائية عديدة الى سوق يضج بشهوة الكلام في الأرض و على الفضاء ظن بعض أصحاب النوايا الحسنة أن هيمنة الدول و الأجهزة على الاعلام قد زالت و أن الحرية المنشودة وصلت و هذا فهم غير دقيق و غير أكيد الا عند من يصدق أن وسائل الاعلام يمكن أت تعمل ضد مصالح مموليها.

ان ثلاثة أرباع الفضائيات العربية في الوطن و المهجر ممولة خليجيا و البقية تحت سيطرة الدول و ثلاثة بالمئة فقط بيد أشخاص و شركات خاصة غير مقطوعة الصلة بدولها من أجل الحريات و نشر ثقافة الديموقراطية عبر وسائل الاعلام صار هدفا لأنظمة محافظة السلطة فيها محصورة بأيد معدودة ترى و في حرية الاعلام و في فكرة تداول الحكم مع غيرها كابوسا فظيعا يجب ابعادهو تأجيله بكل الوسائل الممكنة..؟! الهجرة الجغرافية اذن لم تغير كثيرا من طبيعة الحريات الاعلامية العربية لذا من الفضل و الذق من حيث المصطلح ان تقسم الصحف و الفضائيات العربية ليس الى مقيمة و مهاجرة بل الى وسائل اعلامية يتم التحكم بها مباشرة عن قرب من قبل النظمة الحاكمة و الرقيب الرسمي و أخرى يتم التحكم بها ﺁليا عن بعد بالريموت كنترول عبر مموليها و نوابهم في مجالس التحرير و الادراة و هؤلاء و ان أخفوا أهدافهم لا تختلف أولوياتهم و مواقفهم من قضية الحريات كثيرا عن أجندة الأنظمة السياسية التي يعيشون في ظلها و ينتمون اليها.

و ربما كان هذا التصنيف الجارح ضروريا لاسقاط الوهم الذي عشعش في أذهان بعض أصحاب النوايا الحسنة الذين ظنوا أن مساحة الحرية التي يتميع بها الاعلام العربي المهاجر الى أوروبا تشبه أو تقترب في أسوا الأحوال من هوامش حرية التعبير التي تتمتع بها الصحف الغربية و الأمر بكل أسف ليس كذلك على الاطلاق فكل الذي تغير هو أسلوب السيطرة و ليس السيطرة نفسها.


يقول ( دونالد توماس) مؤلف تاريخ الرقابة الأدبية الانجليزية الصادرة في لندن حيث كان يتمركز معظم الاعلام العربي المهاجر قبل مرحلة العودة و الهجرة المعاكسة: ان السؤال الذي يكاد يكون وثيق الصلة بأية مرحلة من مراحل التاريخ الانساني ليس: هل هناك رقابة على الأفكار أم لا..؟ بل هو: تحت أي نوع من الرقابة نعيش...(3)..؟ الاعلامي و الكاتب العربي اللذان يدركان حجم التطور المدني-المؤسساتي المحدود للمجتمعات العربية بسبب الظروف القمعية يعرفان أنهما يعيشان تحت ظل رقابة مركبة لم تعد الدولة بأجهزتها الاستخباراتية و الاعلامية وحدها طرفا فيها بل صارت المؤسسة الاعلامية المستقلة نظريا عن الدولة هي التي تقوم بأعمال الرقابة و تقصقص الأفكار غير المرغوب فيها من مقالات كتابها دون ان تقيم وزنا لشرف المهنة الذي يعمل بها بكثافة و دون أن تلقي بالا للقوانين و الأعراف الصحفية أو لحرية التعبير المرفوعة كالدساتير و القوانين العربية لمجرد.............. للتطبيق و الممارسة.

ان رقابة صحافة المهجر و فضائياته في القرن الحادي و العشرين لا تختلف كثيرا عن رقابة القرون الوسطى في أوروبا و التي تنسب قبل محاكم التفتيش الى رئيس أساقفة بلدة ماينس الألمانية التي تم اختراع مطبعة غوتنبرغ فيها فقد وجد ذلك اللاهوتي العريق و اسمه ( برتولد فون هنبرغ) أن أفضل طريقة لمكافحة الكتاب هي منعه من الصدور للتحكم بالفكرة من منبعها (4) و هذا عين ما يفعله الرقيب المعين رسميا بمسمى ﺁخر في صحافة المهجر و استديوهاته فهو و مثل رئيس الأساقفة يعرف المفيد و غير المفيد لعقول الناس و اذواقهم فيسمح بالصنف الول و يمنع الثاني حسما للبلبلة من المنبع.
عقلية الكنيسة القروسطوية الأوروبية تجددت عربيا في العصر العربي-الاسلامي الحديث فظلت الرقابة رقابتان سياسية باسم الحاكم و من ينوب عنه و اجتماعيا باسم الدين و الخلاق و التقاليد فغالبا ما تستغل الأنظمة بمخابراتها و اعلامها الدين و التخلف الاجتماعي لتكريس تخلفها السياسي و سيطرتها التي لا تكتمل الا بالتضييق على الحريات بكافة أشكالها و هذا ما يدفعها الى ان تخلق و تشجع الى جانب رقابتها الرسمية الصارمة رقابة تخيف الكتاب مهما كان حجمهم و شهرتهم فنجيب محفوط اعترف ل ( مارينا ستاغ) مؤلفة كتاب ( حدود حرية التعبير) أن الرقابة الاجتماعية تخيفه أكثر من رقابة الدولة.
أما توفيق الحكيم فقد ترك لنا في الكتاب ذاته شهادة تثبت أنه لا حصانة لأحد مهما علا قدره فالرقيب و غالبا ما يكون مخبرا أو متعاونا أو مستأنسا يعامل جميع كتاب الصحف بذات المنهجية بما فيهم توفيق الحكيم نفسه الذي قال لمؤلفة ذلك الكتاب: ( المحررون و النقاد تهمهم ردود أفعال النخبة الحاكمة... ربما كان من الأسهل التعامل مع السلطة لو أننا كنا نعرف ما تريده بالضبط- التصريح في زمن السادات- يقولون لنا ذلك و غيره غير مقبول من المجتمع أي شيء نكتبه يغضبهم كما لو كانوا يريدون أن يحولوا المجتمع كله الى مؤسسة رقابية نعم أي شيء يغضبهم و يزعمون أنهم المجتمع و أنهم يعملون نيابة عنه و يدافعون عن قيمه و اذا كتبت شيئا لا يعجبهم امتنعوا عن نشره دون أن يقولوا شيئا و دون أي تفسير و ليس لديهم حتى الذوق ليقولوا لماذا ألقوا به أو أهملوه) (5). و كان من المفروض نظريا أن تبادر القيادات الاعلامية- في المهجر على الأقل- للاستفادة من الحريات الغربية التي تعيش في ظلها لكن حرية التعبير كانت في ﺁخر قوائم اهتماماتها فبعض تلك القيادات فهمت دورها ووظيفتها و كأنه لا يتجاوز ادخال السرور الى نفس شخص واحد وعدة أشخاص حوله تماما كما كان حال وظيفة (مدير الابتهاجات الملكية) الذي ابتكره هنري الثامن منذ عام 1545 و أسنده الى من يقوم بترتيب حفلات الترفيه عن البلاط و الحاشية.





ان خطورة هذا الجيل من القيادات الاعلامية الذي تحالف مباشرة أو بصورة غير مباشرة مع الأجهزة الأمنية لا يكمن فقط في رقابته و عمله الدؤوب على خفض سقوف حرية التعبير و تشويه الأحداث و تزويرها لتخدم وجهات نظر رسمية بل في تبنيه لمواقف ووجهات نظر لا تخدم بالضرورة المصلحة الوطنية و هو في ذلك الموقف صوت سيده و حاميه و مموله و يتبع تلقائيا و دون مساءلة من يضعه في ذلك الموقف لذا صار التمييز صعبا بين الكاتب و المنبر و بين القلم و الممول و لعل خير ما عبر عن تلك الظاهرة قبل نشوي الحرب اللبنانية الأخيرة بأيام الوزير اللبناني السابق سليمان فرنجية الذي قال في معرض تهديده لزعيم تيار المستقبل: أن كل قلم في جريدة المستقبل سنعتبره قلم سعد الحريري (6).
ولاشك أن القضية ستكون أقل تعقيدا لو كانت الهوية الوطنية لممولي وسائل الاعلام واضحة و صريحة لكن المشكلة أن معظم هؤلاء يتبعونفي استثماراتهم و برامجهم و سياستهم أجندات تخدم في الغالب مصالح و تحالفات خارجية.


و يبد أن النخب السياسية العربية الحاكمة كاعلامييها و المنفدين لسياستها لاتخجل من التبعية فقد تربى جيل كامل على أنه من الطبيعي أن تترك القرارات الكبرى للقوى الخارجية فباستثناء المحاولة الناصرية المجهضة للاستقلال بالقرار الوطني كاملا لاحظ أكثر من باحث و مفكر عربي و غربي ذلك الخلل العميق في تركيبة الانتلجنسيا العربية و الاعلامييون و في طليعة هؤلاء (برنارد لويس) الذي قال أثناء حرب الخليج الأولى: (ان الأنتلجنسيا العربية و نخبتها السياسية تعيش على الاعتقاد بأن القرارات الخطيرة التي تحول مصائر الأقطار العربية تتخد دائما من الخارج فكان الداخل ما عليه الا القبول أو التنفيد...).

و لايحتاج الباحث لذكاء كبير ليدرك أن قوة الدولة العربية كانت ضد مواطنيها و ليس ضد أعدائها الخارجيين ففي دولة العصبية الحديثة سواء كانت محكومة من قبل نخبة أو حزب واحد أو مجموعة ريفية أو حفنة ضباط يظل القرار دوما بيد فرد واحد أو عدة أفراد يستميتون لتضييق دائرة المشاركة السياسية فالحكم عند هؤلاء كالحكم في المنظور الخلدوني عصبة يتزعمها فرد و من حقها أن تتمتع بالسلطة و الثروة و النفوذ الى أن تطيح بها عصبة أخرى.
و في ظل هكذا مناخ لا يثق بالشعوب و لا يهمه القرار الوطني الا حين يخدم استثمارات صاحب القرار و بقائه تصبح الحريات و هي عصب الاعلام بعد التمويل و قبله حريات انتقائية تشوه الحراك السياسي و تعيق أكثر مما تخدم ﺁليات التطور الاجتماعي في المنطقة و بالرغم من التنازلات كلها التي قدمها الجيل السياسي العربي الحالي و صوته الاعلامي القوي ظل الغربيون و هم المتحكمون الفعليون بالقرار العربي و صانعه يبدون انزعاجهم من قلة الانجازات التي حققتها المؤسسات الاعلامية و التربوية العربية ف (الشهيد العربي) الذي تحول في النشرات الاخبارية الى قتيل و (العدوان الصهيوني) الذي صار (مجرد هجوم) و كل التعديلات التي أدخلت على المناهج التعليمية و أساليب العمل الاعلامي لا تكفي لتحقيق الأهداف الأساسية لأصحاب الأجندة الخارجية الأمريكية لذا فان السيدة (الينا رومانسكي) المسؤولة عن برامج مبادرة الشراكة الأمريكية-الشرق أوسطية لا تكف عن التذكير بتصريحها الشهير الذي أطلقته من الدوحة لتؤكد على أنهم في واشنطن (لايفكرون بتغيير مناهج التعليم في المنطقة فقط بل بتغيير أخلاقيات الاعلام بوضع معايير جديدة للصحافة العربية المطبوعة و المرئية لتكون مستأنسة و أقل عدائية (7)...) أما ان كانت تلك المعايير ستفرض بالقوة أو بالاقناع فهذا ما أحجمت عن قوله رسولة الديموقراطية الأمريكية للمنطقة العربية.
و من المعروف لخبراء الاعلام و المتابعين أن استراتيجيات الفضائيات العربية و أجندتها الخفية و هي التي تصنع الرأي العام حاليا تنهض على ثنائية مركبة فهي تقنع مشاهدها أولا بأن ما يحدث أمامه أمر حتمي لا مجال لتغييره ثم توحي اليه ثانيا بأن أي تغيير سيحصل سيكون الى الأسوأ و غني عن القول أن هذه الاستراتيجيات التي يتم الالحاح عليها بأشكال شتى لا تخدم غير الأنظمة الشمولية التي لا تريد أي تغيير و تسخر أجهزتها الأمنية و الاعلام المتحالف معها لتحقيق ذلك الهدف.

لذا يجدر بكل هؤلاء الذين يظنون أن الديموقراطية العربية على الناصية بفضل التلفزيون أو الأنترنت أن يتذكروا قبل المبالغات الكثيرة التي نسمعها أن الفضائيات وحدها لاتصنع ديموقراطية فالخامات الأساسية للحريات العامة في العالم العربي مفقودة كليا أو جزئيا حسب درجة التطور في كل منطقة و هنا لا يجوز أن ننسى أن القبضة الأمنية في بعض المناطق تجعل من الحصول على فاكس أو خط هاتفي للأنترنت مسألة بالغة التنفيد مع أنها خدمات عادية لا تقتضي ذلك التشديد الأمني الذي تمارسه أنظمة مذعورة من قوة الاعلام الحديث و قدرته على تحقيق اختراقات واسعة حين لا يتم ضبطه ووضعه بالكامل كأجهزة و بشر تحت السيطرة التامة و التحكم به من المنبع بثا و تحريرا و تمويلا.

يقول المثل الانجليزي- أن من يدفع للزمار يفرض اللحن- و هذا المثل يعرفه جيدا من يدفعون المليارات للاستثمار في الاعلام و الفضائيات العربية فلهؤلاء أهدافهم التي قد لا تكون حرية الاعلام من بينها و هم بالتأكيد لا يمهدون الطريق بحسن نية لمن يأتي ليسلبهم الحكم بأسلوب ديموقراطي فالاعلام عند هؤلاء- حتى لا نسيء الفهم برستيج ضروري للسلطة و شكل من أشكال ممارسة الهيمنة التي تطورت و صارت أذكى من مجرد مخبر و سجن و تلفزيون رسمي أما الحديث عن الحريات و حقوق الانسان فلم يدخل في قاموسهم الاعلامي الا حديثا و بعد ضغوط سياسية هائلة لتحديث مجتمعات صار تزمتها الداخلي مشكلة كبرى لأنظمتها و لقوى عالمية كبرى دعمت التخلف العربي على الدوام بحجة الحفاظ على الاستقرار فلما تكاثرت الضغوط بعد أن قفزت قضية مقاومة الارهاب الى أعلى سلم الأولويات تسابقت أكثر من جهة محلية و عالمية لاثبات دعمها لديموقراطية الكلام و هي تأمل أن يكون ذلك التنازل مجرد موجة عابرة تتحكم بها كما نحكمت بغيرها من الأزمات ثم تعود الأمور الى طبيعتها و سالف عهدها و يستمر الحلف دون أن يموت الذئب أو تفنى الماشية.

فكيف وقعنا تحت وطأة هذا الحلف الغير مقدس...؟ و هل نشأ و استمر في غيبة عنا أم تحت سمعنا و أبصارنا...؟ و الأهم من أسئلة الماضي الى أي حد يمكن العمل مستقبلا على تفكيكه و التقليل من أخطاره و ﺁثاره...؟
الاجابة عن هذه الأسئلة قد توضح الصورة المستقبلية التي ستتخدها مسيرة الاعلام العربي و تكشف عن محطات مجهولة من تطور المجتمع المدني العربي و الدور الذي لعبته وسائل الاعلام في تشويه ذلك التطور لتجييره بمساعدة المخابرات- و هي السلطة الفعلية في معظم الأقطار العربية- لصالح فئة ضئيلة من الممولين و المنفدين المرتبطين بأنظمة شرعيتها موضع تساؤل و كذلك هويتها و توجهاتها الوطنية و القومية.
و لاشك أن التطورات اللاحقة ترتبط بما يجري في المجتمعات العربية حاليا من حراك سياسي و من قدرة ذلك الحراك على ابراز قوى جديدة تدرك أن الحريات جميعها و الاعلامية منها على وجه الخصوص لا تولد من فراغ و لابد لها من نخب سياسية تؤمن بمبدأ تداول السلطة و تعتقد أنه لاحق لأقلية أو فرد أو حزب بالسيطرة على مصير المجموع و لاديموقراطية و اعلام حر دون دساتير و قوانين تكفل حق المواطنة بغض النظر عن الجنس أو اللون أو الانتماء الفكر و العقائدي و يرتبط بذلك الاعتقاد قدرة تلك النخب الصاعدة على تأسيس منابر اعلامية جديدة بأجندات مختلفة عن السائد لمنافسة القوى المتحكمة في هذه المرحلة بأغلبية منابر الاعلام العربي.




في أواخر القرن التاسع عشر كانوا يطلقون على رقيب بيروت الذي كان بمثابة وزير اعلام مطلق الصلاحيات اسما تركيا هو (المكتوبجي) وقد بلغ ذلك المكنوبجي ذات مرحلة بالقص و المنع و الشطب و المصادرة لأسباب غير واضحة فلما ضج اعلاميوذلك الزمان و ذهبوا اليه طالبين أن يضع لهم قانونا بين المسموح و الممنوع ليتبعوه أشار الحاكم بأمره الى رأسه قائلا: القانون هنا (8).

وقد مات مكتوبجي بيروت و أخذ كما يبدو القوانين معه الى قبره فظل الاعلام العربي منذ ذلك العهد تحت رحمة الأجهزة يعمل دون أي تنظيم و بلا أية حماية قانونية و لن يستطيع اعلاميو هذا العصر تفكيك الحلف غير المقدس بين أجهزة الاعلام و أجهزة المخابرات الا بوجود قوانين ملزمة تكفل استقلالية الاعلام و تحوله من (بروباجندا) فجة ووقحة الى صناعة عصري- حضارية متطورة.



هوامش و اشارات

1- فرانسيس ستولر سوندرز (الحرب الباردة الثقافية) ص 15
2-اعترافات هشام علي حافظ في البرنامج التلفزيوني (قناديل في الظلام) في الثالت و العشرين من أيلول-سبتمبر من عام 2002
3- Thomas D the preface of his book a long time burning the history of literary censorship in England.
4-ألكسندر ستيبتشفيتش (تاريخ الكتاب) ج 2 ص 203
5-مارينا ستاغ (حدود حرية التعبير) ص 32
6-تصريح سليمان فرنجية في صحيفة الحياة بتاريخ 5و7 تموز-يوليو 2006
7-تصريح الينا رومانسكي في صحيفة القدس العربي 22-9-2003
8-مقدمة كتاب (غرائب المكتوبجي) لسليم سركيس

[أعلى ]
عدد زوار اليوم: 1,179، الأمس: 1,474. الإجمالي: 2,066,255 والمتواجدون الآن: 154